جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في الأول والثاني من سبتمبر في توقيت بالغ الحساسية، مع دفع التوترات المتجددة في الشرق الأوسط المنطقة نحو حافة الاضطراب، وترى عائشة إسكندر، الباحثة في العلاقات الدولية، أن الزيارة حملت أهمية كبيرة لمصر والصين، وإن اختلفت دوافع كل طرف. وكانت تلك الزيارة الثانية لشي إلى القاهرة، في حين زار رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي بكين ثماني مرات منذ وصوله إلى السلطة عام 2014.
وعكست الزيارة بالنسبة إلى مصر تحولًا أوسع في توجه دول الشرق الأوسط نحو تنويع شراكاتها الخارجية وعدم الارتهان لقوة دولية واحدة. ويبرز اتفاق الردع المشترك في مكة، الذي جمع السعودية وباكستان وتركيا، مثالًا حديثًا على هذا الاتجاه. أما بالنسبة إلى الصين، فتكتسب المنطقة أهمية لاعتبارات متعددة، يأتي في مقدمتها تأمين شرايين التجارة والطاقة التي تعتمد عليها بكين.
وناقشت المباحثات المصرية الصينية الصراع الإقليمي وتداعياته على التجارة البحرية والاستثمارات الصينية في مصر. وبالنظر إلى أن مصر ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية في المنطقة، تبرز أهمية متابعة الكيفية التي ستوظف بها الصين أوراقها بعد زيارة شي للقاهرة.
شراكة اقتصادية تتجاوز التجارة والطاقة
جاءت الزيارة رسميًا للاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، فيما قال مسؤولون إن الاجتماع يستهدف متابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة الذي وقعه البلدان عام 2014.
ورافق الزيارة توقيع 25 اتفاقية ثنائية شملت التجارة والتكنولوجيا والشؤون العسكرية والأمنية. وكان من أبرز هذه الاتفاقيات الربط بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية، إلى جانب توسيع المنطقة الاقتصادية الصينية المصرية في منطقة قناة السويس.
وشكل اتفاق مبادلة العملات تطورًا مهمًا آخر، إذ يتيح إجراء التسويات التجارية بالعملات المحلية ويقلل الاعتماد على الدولار الأمريكي. وتجاوز حجم التجارة بين مصر والصين خلال السنوات الماضية 20.7 مليار دولار، في مؤشر على تنامي الاستثمارات الصينية وثقة بكين في السوق المصرية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، جددت مصر التزامها بمبدأ الصين الواحدة، بينما أبدى شي تفهمًا للمخاوف المصرية المتعلقة بأمن المياه وحقوق مصر في نهر النيل. ويختلف هذا الموقف عن الموقف الصيني التقليدي الذي اعتُبر أكثر انحيازًا إلى إثيوبيا في ملف المياه.
وتحمل الشراكة الصينية المصرية، خصوصًا في ظل الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة والتي تهز الشرق الأوسط حاليًا، هدفين محتملين لبكين: التحوط من اضطرابات حركة الشحن البحري، والاستفادة من تنامي القلق لدى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بشأن موثوقية الشراكات الأمنية التقليدية.
قناة السويس في قلب الحسابات الصينية
كشفت الحرب المستمرة عن هشاشة تجارة النفط العالمية أمام الاضطرابات التي تصيب الممرات البحرية الحيوية. فالحرب التي بدأت بهدف نزع السلاح النووي الإيراني باتت تتمحور حول إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا قبل اندلاع الحرب.
وأظهر استخدام إيران لمضيق هرمز ديناميكية أوسع، مفادها أن امتلاك نفوذ جغرافي على الممرات البحرية الضيقة يمكن أن يعوض عن ضعف القدرات العسكرية التقليدية، ويمنح القوى الأصغر وزنًا استراتيجيًا يفوق حجمها.
ويجري اضطراب تجارة الطاقة العالمية اختبارًا فعليًا لأمن الطاقة، وتبدو الصين في الوقت الراهن أفضل استعدادًا من كثير من الدول لمواجهة تداعياته. فقد ساعدتها مخزونات النفط الضخمة وتنويع مصادر الاستيراد على امتصاص الصدمة في المدى القصير، لكن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية.
ورفعت اضطرابات الشحن أهمية طرق العبور البحرية الأخرى، وفي مقدمتها قناة السويس. فمضيق هرمز يمثل أهمية كبيرة لواردات الصين من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، لكن قناة السويس لا تقل أهمية، باعتبارها الجسر الذي يربط الصين بأكبر أسواق صادراتها في أوروبا.
وتسيطر مصر على قناة السويس ذات الأهمية الاستراتيجية، التي تقع عند ملتقى إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. وتتركز الاستثمارات الصينية في مصر بدرجة كبيرة داخل منطقة تيدا للتعاون الاقتصادي والتجاري في منطقة قناة السويس الاقتصادية.
وتضم المنطقة الاقتصادية وحدها نحو 200 شركة صينية باستثمارات تصل إلى 3.8 مليار دولار، ما يمنح بكين ميزة لوجستية مهمة في الوصول إلى الأسواق العالمية. وبينما تواصل الصين امتصاص صدمات اختناق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تزداد قيمة قناة السويس باعتبارها شريانًا بحريًا بديلًا وأكثر تحصينًا نسبيًا، خصوصًا أن الصادرات الصينية إلى أوروبا تعتمد عليها بدرجة كبيرة.
وراقبت بكين على مدى العقدين الماضيين حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بعناية، وسيكون من الإهمال الاستراتيجي أن تتجاهل احتمال إغلاق مضيق هرمز. ومن هذا المنظور، لا تبدو زيارة شي إلى مصر مصادفة، بل تعكس تحركًا محسوبًا ترى بكين معه أن تعزيز الشراكة مع القاهرة أصبح ضرورة لحماية مصالحها التجارية وأمن الطاقة.
وتسعى الصين أيضًا إلى تأمين هذا الشريان البحري الذي يمر عبره جزء كبير من صادراتها إلى أوروبا، وهو ما يجعل العلاقات مع مصر عنصرًا مهمًا في الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية لبكين.
الصين تقدم بديلًا أمنيًا ومصر تبحث عن استقلال استراتيجي
إلى جانب كشف هشاشة أمن الطاقة، أظهرت الحرب بين إيران والولايات المتحدة حقيقة أخرى مقلقة تتعلق بمدى موثوقية الشراكة الأمريكية بالنسبة إلى دول المنطقة. وبدأت دول الشرق الأوسط، بدل الاعتماد الحصري على مظلات الأمن الغربية التقليدية، تتجه نحو تنويع شراكاتها الخارجية.
وقد تختار الدول في هذا السياق بناء هياكل أمنية إقليمية تنطلق من احتياجات المنطقة، مثل اتفاق الدفاع المشترك الجديد في مكة، أو التوجه نحو قوى خارجية، وفي مقدمتها الصين التي ترتبط بمصالح طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
وتقدم الصين لمصر فرصًا في مجالات الاستثمار وتطوير البنية التحتية، إلى جانب تعزيز التعاون العسكري والذكاء الاصطناعي. ولا يعني هذا بالنسبة إلى القاهرة تحولًا بعيدًا عن الولايات المتحدة، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب لعلاقاتها الخارجية بهدف تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية في ظل حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
ويتوسع التنافس الصيني الأمريكي في مختلف المجالات تقريبًا، وتختلف مقاربة القوتين لقضايا الاستقرار في الشرق الأوسط. وخلال زيارته إلى القاهرة، دعا شي إلى إقامة «هيكل أمني جديد» للمنطقة، يقوم على رفض «تدخل القوى الخارجية» وأن تكون دول الشرق الأوسط «سيدة شؤونها».
ويرى شي أن هذا الإطار الأمني ينبغي أن يستند إلى أمن «مشترك وشامل وتعاوني ومستدام». ورد السيسي على الطرح بإبداء استعداد القاهرة للتعاون مع الصين من أجل تخفيف التوترات الإقليمية واستكشاف هذا الهيكل الأمني الجديد.
وتختلف المقاربة الصينية عن النهج الأمريكي التقليدي في المنطقة. فبينما اعتمدت واشنطن بدرجة كبيرة على الوجود العسكري المتقدم والتزامات التحالف والتدخل المباشر في بعض الأزمات، تعرض بكين نموذجًا يقوم على البنية التحتية والاستثمار والتجارة، إلى جانب الدعوة إلى نهج أكثر ابتعادًا عن التدخل في شؤون الدول.
ولا تبدو الصين في موقع يسمح لها بإحلال الولايات المتحدة محلها في الشرق الأوسط، لكنها تقدم منطقًا أمنيًا بديلًا يقوم بدرجة أكبر على الترابط الاقتصادي بدلًا من الضمانات الأمنية المباشرة. ومن ثم، تندرج زيارة شي إلى القاهرة ضمن استراتيجية أوسع لزيادة النفوذ الصيني في الشرق الأوسط بالتزامن مع تصاعد الاضطرابات في المنطقة.
أما مصر، فتسعى إلى تنويع سياستها الخارجية بحيث لا تعتمد على قوة كبرى واحدة، بل تتحوط وفقًا لمصالحها الوطنية. ولذلك، لن تأتي الشراكة المتزايدة مع الصين بالضرورة على حساب العلاقات المصرية الأمريكية، بل قد تشكل جزءًا من استراتيجية القاهرة لتوسيع هامش المناورة وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.
https://thediplomat.com/2026/09/the-strategic-calculus-of-xi-jinpings-egypt-visit/

